المقريزي
136
المقفى الكبير
بخلائهم وأمطرهم المطر في غير حينه . ( قال : ) فانصرفت فما وضعت ثوبي حتى أتاني رسول الحجّاج فأمرني بالمصير إليه ، فألفيته جالسا على فراشه ، والسيف منتضى في يده ، فقال لي : « ادن ! » فدنوت شيئا ، ثمّ قال لي : « ادن ! » فدنوت شيئا ، ثمّ صاح الثالثة : « ادن ، لا أبا لك ! » فقلت : ما بي إلى الدنوّ من حاجة وفي يد الأمير ما أرى ! فأضحك اللّه سنّه وأغمد سيفه عنّي ، وقال : اجلس ! ما كان من حديث الخبيث ؟ [ نماذج من علوّ نفسه ] فقلت : أيّها الأمير ، واللّه ما غششتك منذ استنصحتني ، ولا كذبتك منذ استخبرتني ، ولا خنتك منذ ائتمنتني - ثمّ حدّثته الحديث ، فلمّا صرت إلى ذكر الرجل الذي المال عنده ، أعرض عنّي بوجهه ، وأومأ إليّ بيده وقال : « لا تسمّه ! » ثمّ قال : [ 335 ب ] إنّ للخبيث نفسا ، وقد سمع الأحاديث . ويقال : إنّ الحجّاج كان إذا استغرب ضحكا ، والى بين الاستغفار . وكان إذا صعد المنبر تلفّح بمطرفه ، ثمّ تكلّم رويدا فلا يكاد يسمع ، ثمّ يتزيّد في الكلام حتّى يخرج يده من مطرفه ، ويزجر الزجرة فيفزع بها أقصى من في المسجد . وكان يطعم في كلّ يوم على ألف مائدة ، على كلّ مائدة ثريد [ وجنب من شواء وسمكة طريّة ويطاف به في محفّة على تلك الموائد ل ] يتفقّد أمور الناس ، وعلى كلّ مائدة عشرة ، ثمّ يقول : يا أهل الشام ، أكسروا الخبز لئلا يعاد عليكم - وكان له ساقيان ، أحدهما يسقي الماء والعسل ، والآخر يسقي اللبن « 1 » . [ مدح ليلى الأخيليّة له ] وذكر أبو الحسن المدائنيّ عمّن حدّثه عن مولى لعنبسة بن سعيد بن العاصي « 2 » ، قال : كنت أدخل مع عنبسة إذا دخل على الحجّاج ، فدخل يوما ودخلت إليهما ، وليس عند الحجّاج أحد غير عنبسة ، فقعدت ، فجيء الحجّاج بطبق فيه رطب فأخذ الخادم منه شيئا فأتاني به ، ثمّ جيء بطبق آخر فأتاني الخادم منه بشيء ، ثمّ جيء بطبق آخر وآخر حتّى كثرت الأطباق ، وجعل لا يأتون بشيء إلّا جاءني منه بشيء ، حتى ظننت أنّ ما بين يديّ أكثر ممّا عندهم . ثمّ جاء الحاجب فقال : امرأة بالباب . فقال الحجّاج : أدخلها . فدخلت ، فلمّا رآها طأطأ رأسه حتّى ظننت أنّ ذقنه قد أصاب الأرض . فجاءت حتى قعدت بين يديه ، فنظرت إليها فإذا هي امرأة قد أسنّت حسنة الخلق ، وإذا هي ليلة الأخيليّة ، فسألها الحجّاج عن نسبها فانتسبت له . فقال لها : يا ليلى ، ما الذي أتاني بك ؟ قالت : إخلاف النجوم ، وقلّة الغيوم ، وكلب البرد ، وشدّة الجهد . وكنت لنا بعد اللّه الرفد ! فقال لها : صفي لنا الفجاج . فقالت : الفجاج مغبرّة ، والأرض مقشعرّة ، والمنزل معتلّ ، وذو العيال مختلّ ، والمال للقلّ ، والناس مسنتون ، ورحمة اللّه يرجون ، قد أصابتنا سنون مجحفة مبلطة لم تدع لنا هبعا ولا ربعا ، ولا عافظة ولا نافطة « 3 » ، أذهبت الأموال ، ومزّقت
--> ( 1 ) العقد 5 / 13 مع بعض الاختلاف ، والزيادة منه . ( 2 ) عنبسة بن سعيد بن العاص الأموي : انقطع إلى الحجّاج وهو أخو عمرو الأشدق ، والخبر في الوفيات 2 / 47 . ( 3 ) أبلط القوم : لصقوا بالأرض من شدّة الفقر . والعافطة النعجة والنافطة : العنزة . وفي الأغاني 11 / 226 : لم -